تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٩ - فصل في وجه شبه الطاعنين في القرآن
فصل في وجه شبه الطاعنين في القرآن
و اعلم إن أشراف العرب و كبرائهم مع كمال حذاقتهم في أسرار بلاغة الكلام و فرط عداوتهم للإسلام لم يجدوا فيه للطعن مجالا، و لم يوردوا في القدح مقالا و نسبوه إلى السحر- على ما هو دأب المحجوج المبهوت- تعجبّا من فصاحته و حسن نظمه و بلاغته، و اعترفوا بأنّه ليس من جنس خطب الخطباء و أشعار الشعراء، و أنّ له حلاوة و عليه طلاوة، و أن أسافله مغدقة و أعاليه مثمرة [١]، فآثروا المنازعة و المقاتلة على المقاولة، و أبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره على كره من المشركين و رغم انوف المعاندين، و حين انتهى الأمر إلى من بعدهم من أعداء الدين و فرق الملحدين، اخترعوا مطاعن ليست إلا هزءة للساخرين، و ضحكة للناظرين.
منها إنّ فيه كلمات غير عربيّة- كالاستبرق و السجيّل، و القسطاس، و المقاليد- فكيف يصحّ إنه عَرَبِيٌّ مُبِينٌ؟ وردّ بأنّ ذلك من توافق اللغتين، و المراد إنه عربيّ النظم و التركيب، أو الكلّ عربيّ- على سبيل التغليب.
و منها إن فيه خطأ من جهة الإعراب، مثل إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [٢٠/ ٦٣] و إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ [٥/ ٦٩] و لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَ الْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [٤/ ١٦٢] وردّ بأنّ كلّ ذلك صواب على ما بيّن في علم الإعراب.
و منها إنّ فيه ما يكذبه، حيث أخبر بأنه لا يتيسّر للبشر- بل للإنس و الجنّ- بمثل سورة منه- و أقلّ السورة ثلاث آيات- ثمّ حكى عن موسى عليه السّلام- مع اعترافه بأنّ هرون أفصح منه- مقدار إحدى عشرة آية منه؛ و هو قوله:
[١] قاله وليد بن المغيرة. راجع الدر المنثور في تفسير قوله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ: ٦/ ٢٨٣.